"دافوس" يتحول من منصة اقتصادية لساحة صدام بين منطق القوة وانهيار العولمة

"دافوس" يتحول من منصة اقتصادية لساحة صدام بين منطق القوة وانهيار العولمة
منتدى دافوس- أرشيف

تحوّل المنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية هذا العام من فضاء تقليدي للنقاشات الاقتصادية والاستشرافات المالية إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين أقطاب النظام المالي العالمي، في ظل تصدع منظومة العولمة التي قادها المعسكر الغربي لعقود. 

وعكست أجواء المنتدى واحدة من أكثر دوراته توترًا منذ سنوات، مع تصاعد التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم موازين القوى الدولية.

شارك في أعمال المنتدى نحو 50 رئيس دولة وأكثر من 2500 من القادة السياسيين والاقتصاديين ورجال الأعمال وصناع القرار، في دورة طغى عليها القلق من مستقبل النظام الدولي. 

وجاءت هذه المشاركة الواسعة في لحظة تشهد فيها العلاقات الدولية انتقالًا حادًا من منطق القواعد والمؤسسات إلى منطق القوة والمصالح القومية المباشرة.

مستقبل النظام الدولي

برز خلال المنتدى انقسام واضح داخل المعسكر الغربي نفسه، حيث تبنّى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطاب القوة والمصالح القومية أولًا، في مقابل تحذيرات أطلقها قادة أوروبيون من انهيار “نظام القواعد” الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وما قد يعنيه ذلك من انزلاق العالم نحو الفوضى وتآكل القانون الدولي.

ودافع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كلمته بدافوس عن نهجه القائم على “أمريكا أولًا”، مؤكّدًا أن الولايات المتحدة ستواصل فرض الوقائع بالقوة الخشنة، سواء عبر التعريفات الاقتصادية أو عبر الأدوات العسكرية. 

وجسّد هذا الخطاب تحولًا صريحًا عن لغة الشراكة والتحالفات التي ميّزت السياسة الأمريكية لعقود.

غرينلاند وسياسة الإكراه

أعلن ترامب تمسكه بالاستيلاء على غرينلاند وضمها إلى الولايات المتحدة، مبررًا ذلك بموقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي ومواردها الطبيعية. 

وزعم أن واشنطن “الأقدر” على ضمان أمن الجزيرة، في وقت وجّه فيه انتقادات حادة لكندا، معتبرًا أنها “تعيش بفضل الحماية الأمريكية”.

دعا ترامب الدنمارك، خلال المنتدى، إلى الدخول في مفاوضات عاجلة لمناقشة شراء غرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي وتعد أكبر جزيرة في العالم. ورغم استبعاده اللجوء إلى الخيار العسكري، فإن تصريحاته عكست منطق الهيمنة المباشرة الذي يعيد إلى الأذهان سياسات التوسع التقليدية.

كشف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في خطاب وُصف بالتاريخي، عن “الأكاذيب” التي قام عليها النظام الدولي الذي أسسته الولايات المتحدة. وأقر بأن بلاده استفادت من هذا النظام، لكنه شدد على أن الاستمرار في “العيش داخل كذبة” لم يعد ممكنًا.

انتقادات لتطبيق القانون

أقر كارني بأن القواعد الدولية لم تُطبق يومًا بعدالة، مشيرًا إلى أن الأقوياء كانوا يستثنون أنفسهم منها متى شاؤوا، وأن القانون الدولي طُبق بصرامة متفاوتة تبعًا لهوية الضحية أو المتهم. 

وأكد أن الهيمنة الأمريكية وفّرت سابقًا استقرارًا نسبيًا، لكنها تحولت اليوم إلى أداة ضغط وإكراه.

وحذّر كارني من استخدام التكامل الاقتصادي كسلاح، والتعريفات الجمركية كأدوات ابتزاز، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف تُستغل سياسيًا. واعتبر أن النظام الدولي القديم “لن يعود”، داعيًا الدول متوسطة القوة إلى التحرك الجماعي، لأن من لا يجلس على طاولة القرار “سينتهي به الأمر على قائمة الطعام”.

تحذير من شريعة الغاب

حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من انزلاق العالم نحو “شريعة الغاب”، حيث يحل قانون الأقوى محل الشرعية الدولية. 

وأكد أن أوروبا لن تقبل بإدارة علاقاتها الدولية بمنطق التنمر السياسي أو الإكراه الاقتصادي.

وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي سيواجه أي سياسات حمائية أو ضغوط تجارية برد موحد، في ظل تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية واسعة على الواردات الأوروبية، خاصة السيارات والمنتجات الزراعية والصناعات الثقيلة.

وتطرق المحاضر في العلاقات الدولية بجامعة ابن خلدون، محمد عفان، إلى تأثير هذه التحولات على الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، معتبرًا أن قوى متوسطة مثل تركيا والسعودية ومصر وإسرائيل باتت تمتلك هامشًا أوسع للمناورة في ظل تفكك منظومة الضبط الدولي.

خياران أمام دول المنطقة

أوضح عفان أن هذه الدول تقف أمام خيارين: إما الانخراط في صفقات براغماتية مباشرة مع القوى الكبرى بعيدًا عن القيود المؤسسية، وإما العمل جماعيًا لإعادة بناء نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة، مستشهدًا بشعار “العالم أكبر من خمسة”.

وحذّر عفان من أن غياب مؤسسات دولية فاعلة ينذر بتصاعد النزاعات في المنطقة، من الإبادة في غزة وتداعياتها، إلى التوتر مع إيران، والأزمات في سوريا والسودان واليمن، في ظل عجز دولي متزايد عن فرض حلول جماعية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية